|
نور المكارم... عبد الكريم الكابلى
فى مرحلة الصبا الباكر وعندما تنشأ
الفطرة الفنية وتتفتح الدواخل على مختلف ضروب الفنون, عادة
ما يرسخ بالروح عنصر فني معين... وكلما كان ذلك العنصر
أصيلا تخلل هوى ذلك التمييز تكوين الفتى... وهل كان من حسن
الطالع إلا أن نحظى نحن, الجيل اللاحق لما يدعوه الفرنجة
بالـ (baby-boomers)
بتلون بيئتنا الفنية بظلال كون
عبد الكريم الكابلى الواسع الذي ما زلنا ندور فى فلكه
بكامل الرضا والاكتفاء... فلا غرو إن وجدت جل جيلنا يتمتع
بذوق فني رفيع !....الكابلى إنسان واحد لكنه يحتوى على
العديد من الشخصيات المتنوعة!....وسعيد من يتاح له الدنو
من تلك الشخصيات المثيرة.. ويتعرف على بعضها عن كثب..
ويقيني أن ذلك التنوع سر تفرد الكابلى سموه بدنيا الفن
الساحرة.
والكابلى بذات الوقت موسوعة أدبية
زاخرة.. استطاع بمهارته أن يبعث تراث الأجداد ويضفى عليه
مسحة عصرية من شأنها أن تحبب الأجيال فيه.. وتمنح الناشئة
ثقة ومنعة تمكنهم من التقدم والرفعة فى حياتهم, الأمر الذي
بدوره يزكى الهمم للرقى بالوطن الغالي.. وكما درج الكابلى
على القول: لا بد من التعرف على القديم لاستشقاق الحديث
والحديث!!!
أما فى مجال الغناء, فإن الكابلى يأسر
المهج بصوته الموشى المحلى الذي يختال فى النظم .. وهنا
تتجلى العبقرية الفذة, إذ أن قدرته الشعرية ذللت أمامه
عقبات الاختيار فضلا عن ما حباه به الخالق العظيم من موهبة
فريدة على وضع الألحان, فتاه بالأسماع فى حدائق الشعر
القديم , وتخير من القلوب مكانا أثيرا بتطرقه لغناء
(الترف)! من المدح والإخوانيات ومختلف المناسبات.. ونزع من
النهى إعجابا متينا عندما عرج على رياض الأهازيج الروحية
والصوفية...فما أصدق قولهم: وما فتئ الكابلى يغنى فيطرب كل
إنسان كأنه قد خلق من قلب كل إنسان.
ومغن هو فيما يحسب الناس أمير
ماله فيما يغني من الظرف نظير
وهو إن شئت غنى وهو إن شئت فقير
فإذا غنى تموج الأرض منه وتمور
ويغيب القوم فى المجلس والقوم حضور
ولـ الكابلى حضور فريد جاذب شهى
ومستطاب يبعث على الدهشة وبالتالي الاستغراق فى أعماق ما
يبدى وما يخفى, الأمر الذي يزيد من أثر تلك الدهشة
المحببة... وعنصر الدهشة هنا ما دفع بعضنا إلى مدح هذا
الإنسان (الأسطوري) بأنه من استطاع أن يملأ الحواس دهشة
وأن يذيب فى لحن الخلود الحياة!.. وما أصدق تصوير أحدهم
بأن الفن نهر بيد الكابلى يتدفق على الأرواح فيهديها هبات
لا تعد, وأن اللحن ما إنفك ينقاد إليه يجرر أذياله وهو
مزهو بما هو مقدم عليه.. وأذكر جيدا كم كان وقع تلك
الأبيات - البسيطة - على الأستاذ الكابلى عميقا ومؤثرا.
عبد الكريم غرست فى الروح هوى
فســـمت لتجنى غرسها ثمرات
بــــوركـت نــورا للمـكـارم لا
خبــــا
كي يـجـمـع النائي بعيد شتـــات
أنا على يقين من أنه إذا ما وجه ذلك
السؤال (العذب) إلى الأستاذ الكابلى فأن من شأنه - وهو
المسك بناصية البيان - أن يعجز عن إيجاد إجابة شافية!
لو قالوا ليك.. أوصف جمالك !! تفتكر
تقدر تقول كل الحقيقة.؟؟؟؟
أمين حسن عبد اللطيف
|