|
نيابة عن العرب
القاهرة تكرم :
فنان الشعب السوداني
السفير الدكتور عبد الكريم الكابلي
القاهرة – امجد محمد سعيد
والصواري والمواويل البحرية والنخل
والنجوم كان لهب الشموع المرتجفة بين الفجر والندى ودعاء الأهل
والعشيرة الموشاة بزخارف الحناء يبشر الساهرين بولادة صبي
ظل ينتظره الأب
طويلا وهو يعزف الحان الأمل والفرح
ومنذ نقطة الحليب الأولى رشف الطفل
من ينابيع اللحن
والأنغام، وفتح عينيه وهو يطالع تكوينات وأشكال الآلات الموسيقية
لدى والده الفنان المثقف المعروف
عبد العزيز محمد الكابلي .
وبحسه المرهف
وإدراكه المبكر عرف الصبي عبد الكريم أن القدرة الإلهية
منحته تاج الإبداع النادر وصولجان الفن، فصوت يجمع بين القوة
والشفافية، بين الطرب والأمل سلس مقنع، وصدى دندنته، نالت الرضا
والإعجاب منذ أن كان طالبا في المدرسة المتوسطة، صوت لفت انتباه
أساتذته وزملائه.
ولم يتردد عبد
الكريم الكابلي منذ اللحظة الأولى عن الإمساك بزمام المبادرة
واستلهام الفرص
لتطوير مشغله الفني وصقل موهبته بالمتابعة والدراسة والتدريب ،
فاستوعب المشهد الغنائي للموسيقي السودانية
وظل يواكب ويعمل ويؤسس نفسه بنفسه فنا وثقافة وعلماً
حتى تربع على عرش الفن بجدارة وتواضع وتفرد .
حتى جاءت تلك
اللحظة التاريخية في العاصمة السودانية
في الخرطوم عام 1960
حينما وقف عبد الكريم الكابلي أمام الرئيس المصري الراحل جمال
عبد الناصر، وغنى قصيدة الشاعر السوداني الكبير
تاج السر الحسن (
أنشودة لأسيا وإفريقيا ) , وأنصت
سكان ثلاثة أرباع الدنيا لهذا
الهدير الجديد المولود مع ولادة حركة عدم الانحياز ومؤتمر باندونج
باندنوسيا ايام نهرو
وسوكارنو وتيتو،
وكانت تلك المناسبة هي بوابة الفن الكبيرة التي دخل منها
الكابلي ابن الثغر السوداني
بور تسودان , إلى عالم الغناء ولكي يشكل أروع انجاز للأغنية
السودانية والعربية:
( عندما اعزف ياقلبي الاناشيد
القديمه
ويطل
الفجر في قلبي على اجنح غيمه )
كان ذلك اليوم
المشهود ليس فقط بداية الشهرة للكابلي
إنما كان أيضا انطلاقة للقصيدة العربية الفصحى في المشهد
الغنائي السوداني وكان مبشرا بولادة من يستطيع أن يؤديها ويتعامل معها
بالسلم الخماسي الفريد أيضا
ناهيك عن اكتشاف الشعب السوداني نفسه
انه اقرب ما يكون تعاطفا وفهما وتجاوبا مع القصيدة الشعرية
الفصحى، وكانت تلك الوقفة شهادة
النجاح والتي مكنته من الاصطفاف مع
تلك المجموعة الخالدة من الفنانين الذين وضعوا فنهم في في سبيل
إسعاد وتمجيد أوطانهم وشعوبهم .
وحينما وقف الكابلي
أمام سيدة الغناء العربي أم كلثوم
ليصدح بقصيدة أبي
فراس الحمداني :
أراك عصي الدمع
شيمتك الصبر
أما
للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى ...أنا.. مشتاق
وعندي لوعة
ولكن مثلي لا يذاع
له سر
بدمي سأكتب فوق
ارضك يا فلسطين اسلمي
واموت يا يافا شهيد
الوعد واسمك في فمي
ومثلما أبدع
الكابلي في الغناء والموسيقى فانه أبدع أيضا
في كتابة الشعر المغنى وغير المغنى
كما غاص في ثنايا التراث السوداني
بحثا وكتابة ونقدا بالغتين العربية والانجليزية .
و اليوم يحق
للسودانيين والعرب أن يحتفوا بالأستاذ عبد الكريم الكابلي في واحدة من
أبهى الأمسيات الثقافية الموسيقية الغنائية بمباني نقابة الصحفيين
بالقاهرة وسط المئات من الحاضرين الذين قدموا ابلغ
معاني سعادتهم وامتنانهم وتقديرهم لهذا الفنان الهرم الذي ارتقى
بالغناء السوداني إلى أفاق عالية سامية وأوصله إلى المراتب الصافية من
حيث اختيار أجمل الكلام ومن حيث عظمة الأداء والمردود الموشى بأرفع
آيات الاحترام لفن الغناء والموسيقى ولدور المغني والمؤدي والمطرب في
حياة الشعوب .
كانت الأمسية
سودانية مصرية عربية، نظمتها رابطة محرري الشؤون الخارجية بنقابة
الصحفيين المصريين وكان الحضور شاملا لفئات المبدعين
من كتاب وشعراء
وفنانين وصحفيين، وكذلك من
دبلوماسيين ورجال أعمال
وأساتذة جامعات وموسيقيين
وقطاعات مختلفة
من الجاليات السودانية والعربية، إضافة إلى الحضور المصري الكثيف
والمشرف .
تحدث الكثيرون في
الأمسية مشيدين بالكابلي وتاريخه الخصيب في مجال الأغنية السودانية
ودوره في اعطائها مقاما سامقا في سماء الموسيقى العربيه وحضوره الفعال
في ابرز محطات النهوض السوداني الوطني والقومي عبر حياته
الحافلة بالانجاز ولعل ما قاله الناقد
والشاعر السوداني المعروف ( السر قدور) في الأمسية اعطي صورة
واضحة عن عبد الكريم الكابلي فنانا
وشاعرا واكاديميا ودبلوماسيا ومثقفا لا تستطيع إلا أن تنصت إليه بكل
جوارحك وحواسك .
ولم تخف شهادات المتحدثين ذلك
الإعجاب المشوب بالاحترام الشديد لهذه الشخصية التي عرفت كيف توازن بين
متناقضات حياتنا المحلية والقطرية والقومية، وان تحقق مشهدا راقيا من
الإبداع ارضى كافة مستويات الشعب وخاصة الطبقة المثقفة وفي ذات الوقت
صعد بذوق الجماهير إلى منصة عالية وانتشلها من قفص الكلمة الدارجة إلى
التراثية و الفصحى بصوته القوي ولغته المحكمة وأدائه المنضبط وعبقريته
التي أضافت إلى سلم الموسيقي السودانية التقليدية، ناهيك عن قدرته
الحوارية التي تشمخ بمنطقياته الميسرة للفهم والإدراك .
| Alkabli CDs |


This work is licensed under a Creative Commons Attribution 3.0 United States License.2006