الدولة ومسؤولية الثقافة

مستقبل البادية

سوسيولوجيا الموسيقى   

    حكايتي مع سرّاق أغنياتي  

           لإرهاب ...... والعقاب.     

الوعي . . وحماية المبدعين

 برنامج تراثيات

 

Home
Alkabli History
Songs
Gallery
UNFPA
About Sudan
Cassettes & Cds
Golden Pen
By Alkabli
شعر
تراث و معاني
Guest Book
Honorary Doctorate
Zayed Alkhair


 

الإرهاب والعقاب

في أغسطس من العام 1996م تعرّضت طائرة الخطوط السودانية المتجهة الى عمان بالأردن للاختطاف. كنت وزوجي وابنتي ذات التسع سنوات بداخل تلك الطائرة المختطفة.  وشأني شأن كل المهتمين بتأمل مسارات الحياة كنت من قبل تلك الحادثة قد أعملت الفكر بقدر حجم الاستطاعة في الدوافع التي تنجم عنها مثل هذه الأفعال والأعمال التي توصف بالإرهاب. ولكن من المؤكد أن تلك الحادثة الواقع التي عشتها وعاشتها زوجتي وبصفة خاصة ابنتي الصغيرة في تجربتها الأولى في دنيا الطيران ومواجهة احتمالات الموت، قد دفعت بي إلى آفاق من التأمل ما كنت لأرتادها لولا تلك التجربة القاسية.                                  

    الانفجار السكاني والتقدم العلمي وتنامي تعقيدات الحياة مع التطور المتسارع لوسائل الإعلام التي ورثت وبزّت كل إمبراطوريات العالم القديم وجعلت منه عالما جديدا أشبه كما يقولون بالقرية الصغيرة التي يمكن للمرء أن يرتادها بعينيه وآذنيه وهو جالس على كرسيه المنزلي بملابسه الداخليه، إلى جانب التنامي الرهيب للأسلحة وتقنيات الإبادة والدمار، هي التي دفعت بالإرهاب إلي آفاقه التي نعاصرها وصورته في أذهان الكثيرين وكأنه ظاهرة جديدة لم تعرفها البشرية إلا في النصف الثاني من القرن العشرين. هذا ما يتبادر إلى الذهن هذه الأيام عندما يسمع المرء كلمة إرهاب. وربما رأى المرء بعين خياله شخصا ملثما أو ربما أشخاصا ملثمين يقدح الشرر من أعينهم، بأيديهم أنواع وأشكال من الأسلحة الفتاكة والمتفجرات. هذا ما يتبادر إلى الذهن، فيما يتصل بالجدة والحداثة، بينما  هنالك العديد من العادات و الممارسات والعلوم التي طالتها أيادي التقنين والتنظيم والبرمجة في إطار المنهجية والتحديث، قد عرفها الناس وعاشوها قبل زمان بعيد.   نعم .. لقد تفاقمت واستشرت ظاهرة العنف و الإرهاب بألوانه الحديثة المتعددة بصورة ربما لم يطلع الناس عليها ولم تعرفها الأزمان السابقة ولكن كم من ظواهر وعلوم يعرفها و يعيشها الناس الآن لم تكن معروفة بصورتها الحالية عند أسلافهم. ونكرر بصورتها الحالية.  ثم .. ما هي المسافة بين الإرهاب والاعتداء في أية صورة من صوره المتعددة!.  ان تاريخ البشرية يضج بالإرهاب والخوف المتواصل عبر الزمان والمكان يؤججه الصراع المتواصل  حفاظا على المعادلة الأزلية بين الخير والشر في هذه الحياة.  وبقدر ما تكون الغرائز و المطامع والأهواء، بقدر ما يقابلها من الوعي بالحقوق المهدرة في مجريات الحياة، بقدر ما يكون الصراع في الحياة وبقدر ما يبرز من الإرهاب في حياة الناس.  والأسباب كثيرة تلك التي قادت في الماضي البعيد وتقود الآن إلي ممارسات ضروب من الإرهاب.

     وقبل الخوض في دوافع ومسببات العنف أو الإيذاء أو الإرهاب الصادر عن الإنسان وغير الإنسان نود أن نتساءل عن الحالة العقلية التي يصدر عنها الفعل وهل هي حال عقلية طبيعية حسب مواصفات المنطق العقلاني أم أنه فعل يصدر عن منطق عقلاني يتسم بالاهتزاز والإحباط والتشويش والإحساس بالمعاناة من جراء تأثيرات داخلية أو خارجية أو ربما من جراء الإثنين معا، بغض النظر عن الدوافع المشروعة وغير المشروعة للإرهاب. ثم ما هو دور الفطرة والاكتساب في قضية العنف والإيذاء والإرهاب هذه !.  لنصبر قليلا إذ ربما قادنا التأمل والاسترسال إلي الإجابة بلا ونعم في آن واحد.  ولكن علينا أولا أن نشير إلى أنّ العدوان أو الإيذاء أو الإرهاب لا يقف عند حد القتل والتعذيب وما إلى ذلك من الملموس والمحسوس في الحياة ولكنه يطال كذلك الجوانب النفسية والمعنوية في الحياة.                                       

1/    محاولة متواضعة للتعريف بالإرهاب:

    جاء في معجم (المنجد) بأن كلمة رهب ومشتقاتها توازي في معناها العربي كلمة خاف. وأرهبه أي أخافه والرهبوت والرهبوتى بفتح التاء الخوف الشديد ثم المراهب بفتح الميم وكسر الهاء هي الأهوال والمخاوف أمّا الإرهابي فهو من يلجأ للإرهاب لإقامة سلطته. هذا ما جاء بالمعجم المشار إليه في تعريف الإرهابي ولكن هل يقف تعريف الإرهابي المفرد عند إقامة سلطته!. وما نوع هذه السلطة وهل هي بالمعنى المتداول المعروف للسلطة أم أنها قد تكون سلطة ذات مسؤولية شخصية لا تتخطى حدود النفس والخصوصية بعيدا عن التداعيات الأخرى!.  كما جاء بنفس المعجم عن كلمة رعب مثلما جاء عن كلمة رهب وأنها تعني كذلك الخوف. ونجد كذلك في معجم اللغة الإنجليزية( ويبستر)أنّ كلمة (تيرورايز TERRORIZE) تعني ( FRIGHTEN – ALARM - AWE ) وكلها تدور حول معنى الخوف والإفزاع.  لذلك لم نكن قد ذهبنا بعيدا عندما وصلنا بين الإرهاب وبين كل ما يدعو إلي الخوف وإدخال الرعب في نفوس الآخرين. المهم أنّ الإرهاب من أسباب الخوف والعكس صحيح. هذا هو الإحساس العام بمعنى كلمة إرهاب بعيدا عن التخصيص الذي ربما قاد إلى وضع الكلمة في قالب معين ومحدد لمعنى هذه الكلمة المخيفة. وهنا يلح تساؤل عن أيهما الألزم  و الأسبق والأقرب إلي الحياة، الأمن والطمأنينة أم الخوف!. إنّه الخوف بالطبع. فالإنسان مهما بلغ في مراقي الواقعية وإدراك حقائق الحياة، لا يقدر على تناسي هاجس المرض و الموت والفناء للحظة واحدة. بل يمكن القول بأنّ الإنسان على طول مسيرته الحياتية على كوكب الأرض لم يعش صراعا ملازما كصراعه مع الخوف. الخوف من الإنسان وهو منه والخوف من المرض والكوارث والرق والتسلط والقهر والاضطهاد والفقر والغدر والخيانة والفضيحة والجنون إلى آخر هذه المنظومة المخيفة.  إنّ الإنسان يخاف المجهول من الأقدار وهذا الإحساس في شق منه يحمل إحساس الغريب. إنّه الإ حساس بالغربة في حياة مؤقتة مجهولة الأقدار و العواقب. إنّنا هنا نتحدث عن المطلق بعيدا عن تداعيات ومتطلبات الإيمان في الرسالات السماوية. ولكن ونحن نحاول تعريف الإرهاب يبقى على الدوام تساؤل يفرض نفسه وهو : هل هنالك إرهاب مبرر وإرهاب غير مبرر!.

         2/    الاستعداد :

        إذا كان الإرهاب بكل ألوانه وتداعياته موجود بداخل إطار معاني الخير والشر من لوحة الحياة، ينبغي علينا أن نعترف بما للفطرة والغريزة والاكتساب من دور فاعل نحو تشكيل الأستعداد.  وهذا يعنى أنّ الأستعداد قد يكون داخليا تحمله جينات الطبع الموروث، تماما مثلما يقود إليه الأكتساب وهو تأثير خارجىّ. وهنالك من أهل العلم ممن لا يعترف بحمل جينات الوراثة للطبائع والملامح النفسية وينادون بأن جينات الإرث لا تحمل سوى الملموس من صفات اللون  والملامح الجسدية. ولكننا ومن خلال التجربة المعاشة والملاحظة اللصيقة وجدنا أنّ التأثير الوراثي يتسع ليضم بين رحابه أحيانا أدق الطباع والمواهب والصفات والتقاء المزاج.  وللتدليل على ما ذهبنا إليه، نسوق مثالا للحالة الأولى وهى حالة الطبع أو الفطرة وآلتي نجد الاعتداء أو الإرهاب في شق واحد منها.  وهذا المثال معروف لنا جميعا وطالما أشفقنا على صاحبه إذا كان مسالما وكم تجنبناه ان كان عنيفا معتديا خاصة الأطفال منا. إنها حالة الفقدان الوراثي للعقل وهو  الذي يدفع في شق منه بصاحبه آلي السلم أحيانا والى العنف والإيذاء أحيانا أخرى، بما يجعلنا في الحالة الأخيرة نتحفظ ونحجر على صاحبه حتى لا يقوده فقدان عقله الى إيذاء نفسه والآخرين. إنها حال تتيه كبرا بوضوحها مقارنة بحالات التخفي التي سوف نعرض لها في باب العاهات النفسية والإرهاب. وهكذا نجد الأستعداد بداخل التكوين الخلقي للأنسان في طبعه وفطرته، وربما قادنا التدليل إلى حالات أخرى منها ذلك الطفل الذي لم يقو على الوقوف والسير بعد وهو يحمل حجرا أو أداة صغيرة يحاول أن يرمى بها طفلا آخر فتسقط من خلفه، بينما لم يشاهد هذا الطفل مشهدا مماثلا لنقول بأنه مقلد. لقد توفرت النوايا. ونحن نعرض لقضية الفطرة هذه والتي يصعب معها تتبع وتحديد الأسباب علينا أن نذكر خطفا ما للطبيعة أحيانا من إرهاب ينأى بنا عن مساءلته. إنها المواقف التي سوف نعرض لها لاحقا وهي التي ما زالت تتيه كبرا على مداركنا الأمر الذي جعل الكثيرين منا يؤمنون بوجود خالق عظيم مسؤول عن الأسباب والنتائج في هذه الحياة.  أمّا  الاستعداد الخارجي الذي رمزنا إليه بالإكتساب سوف نعرض لتعدديته بالأمثلة في باب الأسباب. ولكن علينا أن نعترف هنا بأنّ الأكثرية من الأسباب التي أوردناها خطفا تعود إلى الإنسان نفسه. نعم .. قد تتسبب الكوارث الطبيعية وبينها الزلازل ومهابط السيول والأعاصير والجفاف والتصحر في هجرة الناس من ديارهم إلى أماكن أخرى، ولكن ما هي النسبة بين حجم هذه الهجرة وتلك التي يتسبب فيها ظلم الحاكم وإرهابه.!

       3/    الإرهاب .. وألوانه المتعددة :

       كما هو معلوم فإن الإرهاب لا يقف عند معني واحد أو شكل واحد إذا كنا نتعامل مع الكلمة كمرادف للاعتداء والإفزاع والإيذاء وإثارة الرعب في نفوس الآخرين. لذلك يمكن القول بأن هنالك الإرهاب الفكري والسياسي الأمني والاقتصادي والمرضي والوظيفي والجسماني والنفسي والجنسي والعرقي والقبلي والطائفي والاستيطاني والزوجي والحربي والديني والسلطوي والإحتيالي الإبتزازي والقرصاني والثأري والتآمري والأسري وكل ما تقود إليه المصلحة الذاتية وتشوهات النفس، إلى آخر المنظومة التي تتسع للعديد من مظاهر الاعتداء والخوف حتى يصل بنا الأمر إلى الإرهاب الوقائي ثم المجازى استعارة والذي ينأى بكلمة الإرهاب عن مدلولها الانطباعي والمثال ما درج عليه بعض أهل الفن من الشعراء إلي تشبيه مظاهر الجمال أحيانا بأدوات الإرهاب الفتاكة كما جاء في بعض أشعار أبى الطيب المتنبي :                

           كم قتيل كما قتلت شهـيد          لبياض الطلى وورد الخدود  

           وعيون آلمها ولا كعيـون         فتكت بالمتيم المعمــــود

          عمرك الله هل رأيت بدورا       برزت في براقع وعقـــود

           راميات بأسهم ريشها الهدب      تشق القلــوب قبل  الجلـود

        أو كما  جاء في إحدى أغنياتنا السودانية :

          جوز عيونا مدافع السواحل

         أوكما قال الأندلسيان إبن هاني وابن النبيه :

            فتكات لحظك أم سيوف أبيك        وكؤوس خمر أم مراشف فيك

ثــّم

             أمانا أيها القمر المطل               فمن جفنيك أسياف تسل

        وهكذا يمكن لكلمة الإرهاب أن تتسع لتشمل كل مظاهر العدالة إلى جانب المصلحة الذاتيــة والتسلط والعصبيات وتداعيات الأفعال و ردود الأفعال، وتتخطى كل هذا إلى الإستعارات والتشبيهات الجمالية. وليتها بقيت فقط في دائرة الاستعارات الجمالية.

4/   الإرهاب .. والأسباب :

      وقبل الخوض في أمر الأسباب نود أن نقف وقفة قصيرة في مسألة الفعل ورد الفعل وما يمثلانه في قضية الأسباب هذه. وكما يعلم أهل الإسلام فأن الخالق العظيم قد جعل لكل شيء سببا. وقد أوردنا في جانب الاستعداد ما للفطرة والطبع من إسهام في هذا الاستعداد ولكننا بالطبع لا نقدر ولا نستطيع وضع أيدينا ومداركنا علي الأسباب المباشرة التي جعلت جينات الوراثة تحمل كل هذا العنف وكل هذا الإرهاب. يحتاج الأمر إلي تتبع مسارات حياوات الجهة المعنية في البعيد البعيد لنجد الأسباب التي تضيق عن الحصر وهو أمر قد لا يتيسر. لذلك فإننا نعود به كما عدنا به إلي الطبع أو الفطرة والغريزة والقينا عليها بالمسؤولية أو لنقل بالسبب. ثم .. علينا أن نقف كذلك وقفة سريعة في أمر الفعل ورد الفعل لنقرر ما هو مقرر ومعروف سلفا لدي كل الناس عن تقدم الفعل علي رده. وهذا يعنى أننا أمام مسبب وهو الفعل وناتج عن الفعل وهو رد الفعل. وكما نري فإن إدراكنا لمسألة البداية أو الفعل وما يقود إليه من رد، من الأمور التي سوف تعين عندما نتعرض للأسباب علي اختلاف الوانها وأنواعها وما ظهر منها وما بطن.  ولكن قبل الخوض في الأسباب المباشرة وغير المباشرة للإرهاب نود أن نعيد ما ذكرناه خطفا عن لون من الإرهاب الذي قد نعرف مسبباته ولكننا لا نلقي باللائمة فيه على جهة بعينها لعدم قدرتنا على تحديد المصدر البعيد كما في مثال الفطرة والطبع لنضيف إليها مثالا آخر وهو إرهاب الطبيعة المتمثل في البراكين والزلازل والفيضانات والسيول والأعاصير والمجاعات إلى جانب الأوبئة والأمراض الفتاكة التي أرهبت البشرية وما زالت ترهبها إلي الآن. وربما دفعت التلقائية الطبيعية لحدوث مثل هذه الظواهر البعض إلي التساؤل عما إذا كان مظهر الاعتداء والخوف كمعنى من مستلزمات طبيعة الحياة! سوف نرى.  

 

          أ- الإرهاب والظلم :

        يمكن القول بأن الظلم بكل ألوانه وبكل أشكاله من أكبر المصادر للإرهاب. لذلك نجد كل الديانات السماوية والأرضية الوضعية بل والأعراف التي تناقلتها الجماعات والحضارات المختلفة قد نهت وبصورة قاطعة عن ممارسة الظلم لما له من عواقب وخيمة. وفى الإسلام نجد أنّ الخالق العظيم قد حرّم على نفسه الظلم وكتب علي نفسه الرحمة. وكما جاء في القرآن الكريم فإنه ما أرسل الرسول الكريم إلا رحمة للعالمين. ثم امتدحه بأنّه لعلى خلق عظيم وأثنى عليه بأنه لو كان فظا غليظ القلب لأنفض الناس من حوله. إذن من أين جاءت غريزة الظلم عند الإنسان! إنها كذلك من عند الخالق العظيم كإبتلاء وكإمتحان للإنسان بعد أن هداه النجدين. بل يتوجب على المسلم أن يعترف بأن المكابدة والخوف والنقص في الأرزاق والثمرات من بعض ما قدّر الخالق العظيم للإنسان. كيف يتصرف هذا الإنسان وقد أهداه الخالق العظيم أغلى وأعظم هدية علي الإطلاق وهى العقل. إنها قضية الخير والشر التي نجدها في كثير من متقابلات الحياة. هل يقدر الإنسان على اجتياز هذا الإمتحان العسير!. كما تقرر كذلك العقاب في الدنيا والآخرة للمخطئين. ومثلما نجد الكثيرين ممن يدينون بالحب والخير في هذه الحياة، نجد كذلك من دفع به ما لاقي من ظلم في هذه الحياة إلي الكفر بالعدالة وعدم الإعتراف بوجود الخير وأن الحياة لا تخرج في ممارساتها عن ظالم ومظلوم  كما جاء علي لسان الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمي :           

        ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه       يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم              أمّا أبو الطيب المتنبي فإنه كالعهد به يجعل من الظلم صغيرة من الصغائر التي يتعفف عنها أصحاب النفوس الكبيرة من حفظة العدالة ولكنه يعود ليلصق بهم ساخرا تهمة اللإعتلال فيهدم كل شيء:

        والظلم من شيم النفوس فإن      تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم

        لا حول ولا قوة إلا بالله .. لقد يئس الرجل من تفشي الظلم في الحياة من قبل ما زاد علي الألف عام. والظلم هو المسؤول الأول عن تحرّك غريزة الحقد الذي يدفع بصاحبه إلي الأخذ بالثأر. وغريزة الحقد وما يتبعها من أخذ بالثأر لا تقف عند الإنسان وحده لأننا نجدها في بعض الحيوان كالجمال وقد ورد في بعض أمثال العرب بأن فلانا أحقد من بعير لأن البعير إذا اعتدي عليه صاحبه بالضرب أو الإهانة فإنه لا ينسى مهما طال به الأمد وينتقم لما أصابه من ظلم في أول فرصة سانحة. ويقال بأنه إذا اطمأن لخلو المكان واستغراق صاحبه في سبات عميق فإنه يلقي عليه بكلكله ولا يتركه إلا جثة هامدة.  هذا من الأمور المعروفة في أوساط من يتعاملون مع الإبل. كما نجد حيوانات أخرى تتعامل مع الأخذ بالثأر عندما يلحق بها ظلم وفي هذا دليل على وجود رائحة للغريزة في قضية رد الفعل هذه.      

                                                                                     

        ب/العاهات النفسية والإرهاب:

          إذا كان الظلم من أكبر مصادر الإرهاب في حياة الناس وغير الناس يمكن القول كذلك بأن الأمراض والعاهات النفسية بالمثل من أكبر مصادر الإرهاب. لقد أذاق ذوو العاهات النفسية البشرية على امتداد تاريخها صنوفا من الإرهاب الظالم. أنّ الأمراض والعقد النفسية من أسباب ومصادر الإرهاب التي لا يمكن إغفالها ونحن نتحدث عن المكونات والدوافع للإرهاب. وفي علم الطب الحديث فإن الأمراض العضوية مقارنة إلى الأمراض النفسية، نسبة لا تذكر. وما ذلك إلا لأن الأمراض العضوية قد تسهل معرفتها ويسهل  تشخيصها وبالتالي يمكن علاجها في كثير من الأحوال ولكن النفس وهى الأقرب إلي المعنوية تتداخل في تكويناتها كتداخل الأسلاك الكهربية التي لا حصر لها تحمل في داخلها المواقف الحياتية الموروثة والمكتسبة مع تفتح المدارك على الحياة. لذلك يمكن القول بأنّه من أقبح ألوان الإساءة والإرهاب ذلك الذي يقوم على غير سبب سوى عاهة مصادرها النفسية.  فكم من مريض نفسي تسبب في إيذاء آخرين قد أحسنوا إليه. وكم من معتوه نفسي قاد البشرية إلى حروب  تسببت في إرهاب وإزهاق العديد من الأرواح!. فقط للانتقام لموقف قديم ومتجدد ما زالت مطرقة التذكار تدق به على ذاكرته ليأخذ بالثأر من الحياة. وربما من نفسه. 

        ج/ المصلحة وحب النفس الأعمى :

      ورب متسائل : وهل هنالك حب نفس مبصر!  والإجابة بنعم لأن حب النفس على إطلاقه من الأمور الغريزية الطبيعية للإنسان وغير الإنسان ولكن حب النفس المبصر هو الحب الذي يتيح لصاحبه رؤية الآخر في مرآة نفسه ويرى نفسه في امتداد وجود الآخر. أما حب النفس الأعمى فإنّه الحب الذي لا يرى صاحبه سوى نفسه. وكما أسلفنا فإنّ تغليب المآرب والمصالح الذاتية يعد من أكبر المصادر السببية في قضية الإرهاب هذه. وما ذلك إلا لأنّ تحقيق المكاسب والمصالح الذاتية يتم في غالبه دون مراعاة لمصالح الجهات الأخرى وفي هذا من الظلم ما يجعل منه سببا مباشرا للإرهاب. ومن هنا جاء التوجيه الإرشادي بأن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه. وقد تتمدد المساحات للمصلحة وحب النفس الأعمى لتتخطى الأفراد والجماعات إلى الدول والأقطار. فكم من حرب ضروس بين العديد من الدول والشعوب أزهقت الأرواح بلا هوادة بسبب المصلحة وإغراءآة المطامع والاستحواذ، وتحقيق الأمجاد الكاذبة الجوفاء.

        5/  الإرهاب .. وأحجام الأسباب:

     ذكرنا العديد من الأسباب التي قادت وتقود إلى ممارسة الرعب والإرهاب في حياة الناس. كما أوردنا بأنّ مظاهر الظلم والعاهات النفسية إلى جانب المطامع وتغليب المصالح والمكتسبات الذاتية من أكبر المصادر للإرهاب. إنّها الأحجام الكبيرة للدوافع الإرهابية. ثم تأتي أسباب أخرى تتفاوت في أحجامها، كالحسد والغيرة وانحسار الحياء المورث للبذاءة وما شابه ذلك من أمراض النفس. كما ذكرنا خطفا وسوف نذكر عن مسألة القوة والإستطاعة وهي القدرة التي تسبق ما عداها لقيام الفعل عليها وبها، وهي في ذاتها أحجام متفاوتة. وما من شك في أنّ الحجم لرد الفعل وهو إرهاب يقوم على حجم التأثير النفسي لحجم الفعل وهو كذلك إرهاب وبداية، بعيدا عن قضية العدالة والأحقية. وربما أخذ الإرهاب،  بمعنى الخوف والإفزاع،  في بعض أسبابه شكلا عقابيا يتلفع بشرعية القانون عملا بمأثور القول ( لا يفل الحديد إلا الحديد ). وهذا موضوع آخر.    

 6/   الإرهاب .. والقوة:

      هل لنا أن نتجول قليلا داخل أبعاد القوة هذه لنقول بأن كل مؤمن وموحد بين الناس وفي كل الديانات السماوية يعترف سرا وعلانية بأن القوة في كل أشكالها من أرادة الخالق العظيم. القوة لله. هذا من حيث المبدأ. ويمكن بعد ذلك حصر المكونات الأساسية للقوة في الفكر والإرادة والقدرة الجسمانية والمال ونكرر المال ثم السلطة النافذة والجسارة وامتلاك أدوات الحرب ذوات الفتك والقدرة على التآمر و الإغراء بكل ألوانه. كما تندرج مكونات كثيرة للقوة تحت قوة الفكر التي ذكرناها وبينها وسائل القدرة على الإقناع والتأثير النفسي. والقوة في أبسط واكبر صورها هي القدرة والاستطاعة ولكنها قدرة محدودة واستطاعة كذلك محدودة لأن الذي يستطيع ويقدر على إماتة كائن حي لا يقدر على إعادته إلي الحياة. هذا أمر بدهى ولكنه يذهب بنا إلى أن القوة لا تقدر على تصحيح أخطائها في كثير من الأحيان. إنها قوة محدودة وقدرة منقوصة، كما أسلفنا. ولكن يبقى على الدوام ورغم ما حققت البشرية من إنجازات في الجانب الإنساني، يبقى على الدوام أنّ السيطرة ما زالت لمن يملك القوة. لذلك بقيت الكائنات الضعيفة على ضعفها بما في ذلك القطاعات الضعيفة من البشر. ولكن .. ينبغي علينا ونحن نتحدث عن القوة والإرهاب أن لا نغفل حقيقة هامة وهي أنّ