بسم الله
الرحمن
الرحيم
الدولة ومسئولية الثقافة
نعم انه خيال عقيم لاستحالة وجوده, ولكنه يدفع
بالصورة الى البرواز الملموس. ماذا لو ان حكومة مسئولة عن ادارة بلد
عريض التعداد والموارد قد ابتليت بموقف عجيب وغريب تمثل ذلك الموقف
فى ان أهل ذلك البلد, كل أهل ذلك البلد, كانوا عاطلين عن الإبداع.
ليس بينهم من كاتب أو ملحن أو شاعر أو رسام أو رياضي أو موسيقى أو
خطيب أو معمارى أو حرفى تشكيلى الى أخر هذه المنظومة الأبداعية؟
ماذا يكون موقف تلك الحكومة حيال هذا الموقف
الخيالى العجيب! هل تقف موقفا سلبيا يتسم بعدم الاهتمام
واللامبالاة أمام ذلك الابتلاء أم انها تدعو خالقها العظيم صباح
مساء ان يمن على بعض مواطنيها بالمواهب التى تجعل للحياة لونا
وطعما وتعين على تجميل صورة الوطن فى عقول وعيون ومشاعر أهله وغير
أهله.
يقودنى اسطراد التذكار فى هذا الصدد الى ما كان من
أمر الرئيس الأمريكى الأسبق روزفيلت مع المالكم الأمريكى الأسود
البشرة حولويس بطل الملاكمة وقد تقررت ملاقاته بالمانيا للبطل
الالمانى لتحديد بطل العالم للوزن الثقيل وكان ذلك قبيل نشوب الحرب
العالمية الثانية, وادولف هتلر فى قمة صلفه وتعصبه للجنس الآرى.
طلب الرئيس الأمريكى روزفيلت مقابلة الملاكم حولويس قبل سفره الى
المانيا وبعد الترحاب والأمنيات الخيرة امسك بساعده وقال له "لا
أظنك تنسى للحظة واحدة بأن شرف أمريكا وكل مواطنيك بين هاتين
القبضتين" وانتصر جولويس على غريمه بالضربة القاضية.
ومن منطلق الصدق الذى تحتمه مسئولية المواطنه
النابعة من الحب العميق لهذا البلد العامر, دوما بإذن الله بطيبة
أهله الطيبين, ومن خلال فضول المعرفة والتجربة المكتسبة من الترحال
فى بلاد الله المختلفة. وبموجب مقتضيات الثقة الامانة التى
وضعتموها فى تلك المجموعة الخيرة من أهل الفنون فى تلك الامسية
الرمضانية المباركة التى اشرنا اليها بداركم العامرة, وكنت بين
المدعوين, نرجو ان نستكمل الصورة التى حاولنا جاهدين رسم ابعادها
فيما اوردنا فى هذه الرسالة التى نعتبرها مبرئة للذمة. وذلك
بالتعرض الموجز لدور الدولة تجاه فن الغناء والموسيقى بوصف ان
الدولة هى السلطة التشريعية والتنفيذية.
كما نود أن نذكر للمرة الثالثة بأن تعرضنا التفصيلى
لفن الغناء والموسيقى وهو الوجه الإبداعى الذى نتعامل معه وتنتمى
اليه موهبتنا ويستمد أهميته من تغلغله فى العديد من وجوه الإبداع
الأخرى – لا يتعدى هذا التعرض التفصيلى حدود معرفتنا بهذا الوجه
الفنى بما يجعله صالحا للقياس عليه مع مراعاة خصوصية الفنون
الأخرى, ولكل فن فرسانه.
وقبل الخوض فيما نراه ملازما للنهوض بالفنون بوصفها
الروافد الفاعلة التى تغذى ينابيع الثقافة من أجل النهوض بالحياة,
نود ان نتعرض خطفا لما ابديتم من ملاحظة بشح امكانات الدولة وما من
مخرج سوى الاعتماد على العون الذاتى. وتتمثل هذه الملاحظة فى ان
الإنسان هو الاستثمار الأول فى كل مجتمع من المجتمعات الواعية.
وبقدر ما يكون استثمار الأنسان ناجحا, بقدر ما يحقق المجتمع
مكتسبات وارباحا أدبية ومادية. ويكفى أن نلقى نظرة عابرة الى بلاد
اليابان هى وكما يعرف الجميع, عاطلة من الموارد اللهم إلا مورد
البحر. ولكنه الإنسان بخصائص عقله التى أراد لها الخالق العظيم ان
تكون انطلاقا لا تحده إلا حدود ارادته, وما أوتينا من العلم إلا
القليل.
لذلك فإن رؤيتنا المتواضعة لا تقدر على استيعاب شح
الامكانات وقصر اليدين فى سبيل تنمية عقل ومدارك الإنسان. فالإنسان
الذى تتاح له التنشئة الواعية التى تكفل له الاحساس العميق بمنطق
الكلمة والموسيقى والألوان وأسرار الايقاع فى الحياة, هو الإنسان
الأقدر على استيعاب المنطق الايمانى العميق لجدية الحياة, وان
الخالق العظيم ما أراد لها ان تكون عبثا. انه الشعور العميق
بمسئولية جمال الحياة. انه الوعى الذى يأخذ بالخطى الى عتبات
الحياة الكريمة فلا يشتكى صاحبه من أى نقص فى اوجه الحياة المختلفة.
وفيما يلى, نرى ان نورد ايجازا رؤيتنا المتواضعة
لأسباب النهوض بفن الغناء والموسيقى فى سوداننا الحبيب على ان تكون
مثالا يقاس عليه بالنسبة للفنون الأخرى مع مراعاة خصوصية كل فن كما
أسلفنا.
دور الإعلام فى إنتشار الأغنية
على الرغم من الدور الكبير المتعاظم للإعلام فى
الأنتشار خاصة فى عالم وسائل الإتصال العليا كما يطلق عليها فى
عالم اليوم, الا انه واحد من الاسباب المؤثرة بلا ادنى شك. ولكن
يعود هذا الضعف فى انتشار الأغنية السودانية عربيا إلى أسباب أخرى
منها إختلاف اللونية الموسيقبة واللحنية السودانية عما ألفت الأذن
العربية من موسيفى والحان. يضاف الى ذلك أسلوب أدائنا ونطقنا
للغناء إذ كثيرا ما نحمل اللحن مدا في غير موضعة بحيث يصعب على
الأذن التى لم تتعود متابعة معنى الكلمة لأن مواضع المد فى الكلام
العادى لا تختلف عن مواضغ المد فى الغناء وهى احرف المد - الألف
والياء والواو. فأذا جاء النطق فى الغناء لكلمة "بحبك" "بحييبك"
إنفلق المعنى على المتلقى العربي. أما عن نطقنا لحرفى القاف والغين
فى غنائنا الفصيح فحدث ولا حرج. وهذه من الأمور الغريبة النى نجدها
فى كثير من الحاننا لأننا فى كلامنا العادى لا نحمل الكلمة فوق ما
تتحمل من النطق اللهم إلا في حالتى القاف والغين. ولكن يبقى على
الدوام أن الإعلام القوى الفاعل قد يعين إلى حد ما على التعود
والفن كما يقول الفرنجة بل كل مواقف الحياة إلفة وتعود. ومن تجربتى
الخاصة أن وجدت بعضا من إخوتى فى بلاد عربية مختلفة يظهرون حفاوة
بل وإعجابا بما قدمت من أغنيات يطلبونها بالأسم فأقول لهم: "لا بد
وأن لكم صداقات ما أسر سودانية" فيجيبون بنعم. وهذا هو دور
التعود. أما عن الأنتشار للأغنية السودانية فى غير البلاد العربية
فأن دول الجوار تحتفى وتعيش الأغنية السودانية وهى بلاد الصومال
واثيوبيا واريتريا ونيجيريا والكاميرون وتشاد لتشابه اللونية
الموسيقية اللحنية. والعجب فى الأمر أن كثرة من مواطنى هذه الدول
يعجبون ويبتاعون الغناء السودانى وهم لا يعرفون معانى كلمات
أغنياتنا ولله فى خلقه شؤون.
أغنيات التراث السودانى
تستمد أغنيات التراث في السودان وفى غير السودان
قيمتها ونأثيرها من خلال إسمها ونسبتها. فأذا كان للأهتمام بالتراث
من فضيلة تشفع للأهتمام به, يصبح الأهتمام واجبا على كل من يقدر
على رؤية القيمة الحقيقية للموروث من القيم الجمالية التى عاشها
الآباء وتركوها لنا ابداعا مؤثرا وفاعلا في حياة الأجيال
المتعاقبة. ولك منى أن للتراث السودانى غناء وامثالا وأحجيات الى
آخره, خصوصية قد لا نجدها فى كثير من البلاد الأخرى. أما عن التراث
والتحديث فأن قناعتى تتمثل في أن القيم الجمالية التى تقوم على
المبادئ وما يتصل بحياة الأنسان من معان, هى الباقية ولا خير في
التعبير عنها بما يواكب متغيرات العصر بما لا يعدو أن يكون إطارا
يقتضيه التحديث أما الجوهر فيبقي على ما هو عليه.
عبدالكريم عبدالعزيز الكابلي
|